ابن حمدون
215
التذكرة الحمدونية
حتى انتهى إلى عطن إبل مع تطفيل الشمس ، وإذا خباء عظيم وقبة أدم [ 1 ] ، قال : فقلت في نفسي : ما لهذا الخباء بدّ من أهل ، وما لهذه القبة بدّ من ربّ ، وما لهذا العطن بدّ من إبل ، فنظرت في الخباء فإذا شيخ كبير قد اختلفت ترقوتاه كأنه نسر ، [ قال ] : فجلست خلفه ، فلما وجبت الشمس إذا فارس قد أقبل لم أر فارسا قطَّ أعظم منه ، ولا أجسم ، على فرس مشرف ، ومعه أسودان يمشيان جنبيه ، وإذا مائة من الإبل مع فحلها ، فبرك الفحل وبركن حوله ، فقال لأحد عبديه احلب فلانة ثم اسق الشيخ ، فحلب في عسّ حتى ملأه ووضعه بين يدي الشيخ وتنحّى ، فكرع فيه الشيخ مرة أو مرتين ثم نزع ، وثرت إليه فشربته ، فرجع إليه العبد فقال : يا مولاي شربه حتى أتى على آخره ، ففرح بذلك وقال : احلب له فلانة ، فحلبها ثم وضع العسّ بين يدي الشيخ ، فكرع فيه كرعة ثم نزع ، فثرت إليه فشربت نصفه وكرهت أن آتي على آخره فأتّهم ، فجاء العبد وأخذه وقال لمولاه : قد شرب وروي : قال : دعه ، ثم أمر بشاة فذبحت وشوى للشيخ منها ، واكل هو وعبداه ، فأمهلت حتى إذا ناموا وسمعت الغطيط ثرت إلى الفحل فحللت عقاله وركبته ، فاندفع بي وتبعته الإبل ، فمشيت [ 2 ] ليلتي حتى الصباح ، فلما أصبحت نظرت فلم أر أحدا ، فشللتها إذن شلا عنيفا حتى تعالى النهار ، ثم التفتّ التفاتة فإذا بشيء كأنه طائر ، فما زال يدنو حتى تبيّنته ، فإذا فارس على فرس ، وإذا هو صاحبي بالأمس ، فعقلت الفحل ونثلت كنانتي ، ووقفت بينه وبين الإبل ، فقال : أحلل عقاله ، فقلت : كلا واللَّه ، لقد خلَّفت نسيّات بالحيرة وآليت أليّة ألا أرجع أو أفيدهنّ خيرا أو أموت ، قال : فإنك ميت ، حلّ عقاله لا أمّ لك ، قلت : هو ما قلت لك ، قال : إنك لمغرور انصب لي خطامه وانصب [ 3 ]